جلال الدين الرومي
6
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
وبمضي مولانا في تقديم هذه الصورة الحية عن عالم الخليقة ، فالجمادات نفسها في حركة دائبة ومستمرة « وهناك عالم متجمد واسمه الجماد ، والجماد يكون متجمدا أيها الأستاذ - فانتظر حتى تسطع شمس الحشر عيانا ، لكن ترى حركة جسم العالم - ولما كانت عصا موسى قد انقلبت إلي حية هنا ، فقد أخبرت العقل عن الأمور الساكنة - وما دام قد سوى من قطعة التراب بشرا - ينبغي عليك أن تعرف التراب بأجمعه - فهم موتى في هذه الناحية « الدنيا » أحياء في تلك الناحية « عالم المعنى » ، وهم صامتون هنا متحدثون هناك - وعندما يرسلهم إلينا من تلك الناحية ، تصير تلك العصا عندنا حية - وتغني الجبال بألحان أودية ، ويصير الحديد شمعا في الكف - وتصير الرياح حاملة لسليمان ، ويتحدث البحر مع موسي - ويكون القمر مرسلا الإشارات إلي أحمد ، وتصبح النار بالنسبة لإبراهيم كزهور النسرين - ويبتلع التراب قارون كأنه حية ، ويثوب الجذع الحنان إلي رشده - ويسلم الحجر علي أحمد ، وينقل الجبل الرسالة إلي يحيي - وكلها كأنها تقول : نحن سميعون بصيرون طيبون ، لكننا معكم يا من لم يسمح لكم بالسر صامتون - ومادمتهم تسيرون نحو جماد ، فكيف يصير مسموحا لكم بروح الجماد ؟ - فامضوا من الجماد إلي عالم الأرواح ، لكي تسمعوا - ضجيج أجزاء العالم - ويأتيك تسبيح الجماد - عيانا ، ولا تتخطفك وساوس التأويل » « 3 » . وكيف يكون الجماد جمادا وقد نزل من أعلي إلي أسفل ؟ « خلق من أعلى » وديدن كل من انبت عن أصله أن يحن إلي هذا الأصل ولا بد أن تكون رجعته إليه « وأصل كل النعم هبط من الفلك إلي الأرض ، جاء من أعلى إلي أسفل غذاء للروح - وعندما هبطت من الفلك إلي الأرض تواضعا ، صارت جزءا من الإنسان الحي الشجاع - ثم اكتسب هذا الجماد صفات الإنسان ، فسما سعيدا إلي أعلي العرش
--> ( 3 ) الأبيان 1008 - 1022 من هذا الكتاب .